القاضي النعمان المغربي

191

شرح الأخبار

بن الحسين عليه السلام صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات علي عليه السلام وكانتا مضمونتين ، فجاء عمرو بن علي إلى عبد الملك بن مروان يتظلم منه في ذلك ، ويقول : أنا أحق منه بها . فقال له عبد الملك : أقول كما قال ابن أبي الحقيق ( 1 ) : اني إذا مالت دواعي الهوى . . . وأنشده الأربعة الأبيات المتقدم ذكرها . ثم جاء بعد ذلك إلى ابنه الوليد طمعا فيه أن يوليه ذلك ، فأجابه بما أجابه أبوه به . [ نعود إلى ذكر العباس ] وكان الذي ولي قتل العباس بن علي يومئذ يزيد بن زياد الحنفي ( 2 ) وأخذ سلبه حكيم بن طفيل الطائي وقيل إنه شرك في قتله يزيد . وكان بعد أن قتل اخوته عبد الله وعثمان وجعفر معه قاصدين الماء ( 3 ) . ويرجع وحده بالقربة فيحمل على أصحاب عبيد الله بن زياد الحائلين دون الماء . فيقتل منهم ، ويضرب فيهم حتى يتفرجوا عن الماء فيأتي الفرات فيملأ القربة ، ويحملها ، ويأتي بها الحسين عليه السلام وأصحابه ، فيسقيهم حتى تكاثروا عليه ، وأوهنته الجراح من النبل ، فقتلوه كذلك ( 4 ) بين الفرات والسرادق ، وهو يحمل الماء ،

--> ( 1 ) وهو ربيع بن أبي الحقيق اليهودي . ( 2 ) وقيل يزيد بن زرقاء الجهني ( ابصار العين ص 30 ) . ( 3 ) وفي نسخة ز : لما قصد الماء بهم . ( 4 ) روى أبو عمر البخاري عن المفضل بن عمر ، أنه قال : قال الصادق عليه السلام : كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة صلب الايمان جاهد مع أبي عبد الله وأبلى بلاء حسنا ، ومضى شهيدا ( عمدة الطالب ص 349 ) . وروي أنه دخل المعركة مرتجزا : لا أرهب الموت إذ الموت رقا * حتى أواري في المصاليب لقا نفسي لنفس المصطفى الطهر وفا * إني أنا العباس أغدو بالسقا ولا أخاف السيئ يوم الملتقى ( المناقب 4 / 109 ) وقيل إنه قال أيضا : أقاتل القوم بقلب مهند * أذب عن سبط النبي أحمد أضربكم بالصارم المهند * حتى تحيدوا عن قتال سيدي إني أنا العباس ذو التودد * نجل علي المرتضى المؤيد فهزم القوم ودخل المشرعة وأراد أن يشرب الماء ، فذكر عطش الحسين عليه السلام فصب الماء من يده ، ولم يشرب ، وملا القربة وخرج منها قائلا : يا نفس من بعد الحسين هوني * من بعده لا كنت أن تكوني هذا حسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين هيهات ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين ( ناسخ التواريخ 2 / 347 ) فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن طفيل ، فضربه على يمينه ، فقطعه ، وأخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز : والله إن قطعتم يميني * إني أحامي أبدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين * نجل النبي الطاهر الأمين فقاتل حتى ضعف ، فكمن له حكيم بن طفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله ، فقال : يا نفس لا تخشي من الكفار * وأبشري برحمة الجبار مع النبي السيد المختار * قد قطعوا ببغيهم يساري فأصلهم يا رب حر النار فلما رآه الحسين صريعا على شط الفرات بكى ، وقال : الآن انكسر ظهري وشمت بي عدوي ، وأنشد قائلا : تعديتم يا شر قوم ببغيكم * وخالفتم قول النبي محمد أما كان خير الرسل وصاكم بنا * أما نحن من نسل النبي المسدد أما كانت الزهراء أمي دونكم * أما كان خير البرية أحمد لعنتم واخربتم بما قد جنيتم * فسوف تلاقوا حر نار توقد قال الإمام علي بن الحسين عليه السلام : رحم الله العباس ، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه فأبدله الله عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب ، وأن للعباس عند الله تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ( بحار الأنوار ط قديم 9 / 147 ) . ونعم ما قال الشاعر : بذلت يا عباس نفسا نفيسة * بنصر حسين عز بالنصر من قبل أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه * فحسن فعال المرء فرع من الأصل فأنت أخو السبطين في يوم مفخر * وفي يوم بذل الماء أنت أبو الفضل